أدب
آخر المقالات

تحليل رواية “نهاية رجل شجاع- لا يوجد مُخلّص- بقلم صالح أمهاوش

 

يُعد الأديب السوري حنا مينة أحد كبار الأدباء العرب في القرن المنصرم، وقد جادت قريحته بمؤلفات زاخرة في الرواية والقصة القصيرة، “نهاية رجل شجاع”، “المغامرة الأخيرة”، “بقايا صور”…الخ، وسنتطرق في مقالنا هذا إلى الرسائل المبطنة التي أراد الكاتب تمريرها لنا من خلال رواية “نهاية رجل شجاع”، وقد تضمنت أحداثها سلسلة من المشاكسات والصراعات التي يعيشها البطل “مفيد” داخل أسرته، والمواجهات الدائمة مع أبيه، ومحاولات أمه الحثيثة لاسترضائه، مما سبب لوالديه مشاكل لا تنتهي مع الجيران، مفيد الذي جعله الكاتب طفلا لا ينضبط لأي توجيه ولا يخضع لسلطة الأب ولا لقوانين المدرسة الصارمة، طفل مشاكس تفوق رعونته كل التوقعات، فيكون عبئا كبيرا على الأسرة وعلى المجتمع الصغير الذي يعيشه، مما سيضطره لمغادرة القرية بعد عقوبة قاسية ينالها من مختار القرية ورجالها، فيبدأ رحلة جديدة من حياته التعسة التي يلعنها كل من عاشره وعرفه، وهو يستأنف في نفس الوقت تحدياته ومغامراته التي لا تنتهي، بعد تعرفه على أصدقاء جدد وصدامه بعد ذلك مع قوات “البريفوتة” الفرنسية، فيستقر في السجن الذي أمضى فيه سنتين تامتين، وما راكمه مفيد، الذي أطلق على نفسه لقب الوحش، من تجارب في السجن بعد لقاءات مع مناضلين سوريين ضد الاحتلال الفرنسي، جعلته يستكشف جانبا آخر من الحياة، جانب النضال والمقاومة لطرد المحتل، جانب جعله يستسخف مشاكساته السابقة ويسترخص كل أفكاره التي عميت عن جانب الدفاع عن الحق ومناصرته.

معركة التيه : من المهد إلى اللحد بقلم صالح أمهاوش

إن مغامرات مفيد لم تبدأ حقا إلا في الميناء، الميناء الذي صوره لنا الكاتب كمملكة من الذئاب المفترسة، مجتمع طبقي حقير يتوزع فيه الظلم من أعلى الهرم الممثل في “عجوز الميناء” إلى أسفله المجسد في اللصوص الصغار، مجتمع أراد من خلاله مفيد أن يبحث لنفسه عن مكان، في محاولة مستمرة لإثبات ذاته، ويعلن للميناء الكبير أنه موجود وسيكون الأقوى، ولم نكن أبدًا لنُغفل أن حنا مينة يتحدث عن بنية مجتمعية محددة، مجتمع لم يتغير فيه شيء بعد طرد المحتل، مجتمع يُصر على استكمال الظلم الطبقي الذي يعيشه المواطنون قبل الاحتلال الفرنسي، ومفيد، ذلك المتمرد الذي كان همه الوحيد استعراض عضلاته وإثبات قوته أمام العالم، لم يعد هو نفسه بعد دخول الميناء والعمل فيه، لم يعد ذلك الوحش الذي يريد خلق مكان له بين باقي الوحوش، مكان يعطيه اعتبارا حقيقيا في مملكة الأقوياء، بل صارت تتكشّف له خبايا النظام الطبقي في الميناء، خبايا تَحكُّمٍ مقيت يفرض الوصاية على الجميع، وفي المقابل شاهد أناسا آخرين تكوَّنَ لديهم وعي الفقير الذي يستشعر الظلم في كل لحظة وحين، وعي صامت يسري بينهم بهمس، منتظرين فرصة حقيقية لقلب موازين القوى، وظل مفيد يشاركهم همهم بصمت كذلك، بما أن العجوز يراقب الجميع، ذلك الأخ الأكبر في رواية 1984، لكن هذه المرة بملامح عربية، يفرض هيبته على الجميع، وهنا أدرك مفيد أن القضية ليست تكمن في أن تكون وحشا بين الوحوش، بل القضية، كل القضية، في تحطيم الوحش الأكبر، ونسف النظام من عند آخره، لكن على طريقة حنا مينة دائما، أراد مفيد الوحش أن يبقى في نفس نسقه الذي أقره منذ البداية، لا يحيد عنه قيد ظفر، تدمير نظام بطريقة المُّحررِ المنتظر.

اقرا لنفس الكاتب في قلبي حسرةٌ أدَبيّة بقلم صالح أمهاوش

إن حنا مينة، من خلال روايته، أراد أن يهدم نظرية المخلص الأوحد، المُخلص الذي سيعيد بناء نسق المجتمع وأركانه في قالب جديد، سيُشكِل مجتمعا جديدا بقواعد جديدة، وقد نجح الروائي، من خلال إفشال بطله، في تنبيهنا إلى خطورة نظرية المُخلص الذي ينتظره الجميع، فبعد أن عرض أعضاء النقابة السريين على مفيد الوحش بانضمامه إليهم، لتعزيز صفوف النقابة التي ستطفو على السطح قريبا، وتُحرك المياه الراكدة الآسنة والمليئة ببكتيريا التحكم والاستبداد، لكن مفيد الوحش، مفيد “الغبي” رفض العرض، وصمم على قطع رأس الأفعى بسيفه، صمم على أن يكون محرر العبيد، عبيد الميناء الذين يسومهم العجوز سوء الإهانة، إهانة صارمة تضطر الرؤوس إلى الانحناء وتقطف كل زهرة أينعت، أو فكّرت في الإيناع.

قد يهمك ابراهيم لوغوس يكتب : قلبي وجبة شهية

هكذا عزم “البطل” على المضي وحيدا على درب نضاله الطوباوي، يسايره الروائي في غروره، إلى أن انقضوا عليه جميعا، وكالوا له الضرب والتنكيل، صمد، دافع، أدمى بعضهم، لكنه انتهى مرميا في السجن محكوما عليه بخمس سنوات، بعد أن لفقوا له تهما جاهزة، تهمًا تليق بالعجوز وزبانيته، تليق بهيبته، وبهيبة نظام طبقي فرض قواعده على الجميع، وأوهم مفيد أنه قادر على قلب الطاولة، انخدعوا له، فانخدع المسكين، وضاعت من حياته خمس سنوات، مرض خلالها بالسكري، هزُل جسده، قُطعت رجلاه من فوق الركبتين، وانتهت أسطورة مفيد بشكل شبه كامل، وأبى الروائي إلا أن يبرهن لنا أن العمل الجماعي المُنظم هو الكفيل الوحيد بإسقاط ظلم، أو إسقاط هيبته على الأقل، وأن العمل البطولي انتهى زمن البطولات.

انظر ايضا ابراهيم لوغوس يكتب : رسالة بعنوان كلّ المُستحيلات

مفيد الطفل، ذلك الوحش الصغير، هو بمثابة المتمرد الجنيني الذي لا يعجبه شيء، المتمرد الذي يريد شيئا لا يعرف كنهه، يريد أن يصرخ ملء فيه، ملء سجله الحافل بالرعونات، السجل الذي لا ينتهي، فصار يكبر الوحش شيئا فشيئا حتى استحال شابا يافعا، استمر صراخه، لكن هذه المرة، صراخ ضد الآخر القوي، صراخ من أجل إثبات قوة ما، وانتزاع اعتراف بحق الوجود، لا كأي وجود، بل هو وجود يليق بالأقوياء، وكذلك صار مفيد على هذا النهج، يصادم هذا ويضرب ذاك ويتصدى لكل أرعن يقف أمامه، إلى أن كبُر، فصار يعي شيئا فشيئا أنه يُصوّب بندقيته للهدف الخطأ، أدرك لِلحظة أنه يقاتل السراب، يقاتل رجل قش جامد لا يكاد يتحرك من مكانه إلا إذا همّت ريح فداعبته قليلا، كجلمود صخر حطّ من علِ، لكن إدراكه لم يكتمل في صورة متناسقة بارزة، بل بقي مُشوها حين حفّته منايا وطموحات أنانية، طموحات تَصُب في مجرى إثبات الذات بأي طريقة كانت، وكانت النهاية كما كانت، أو كما أراد لها الروائي أن تكون.

ما الذي يهدمُنا حتّى النخاع؟ رسائل لم يكتبها #فنسنت_فان_غوخ بقلم ابراهيم لوغوس

لا شك أن الرواية تحمل رموزا كثيرة، رموز تساعدنا على فهم مآلاتها وأهدافها، بعيدا عن الحبكة السردية والمتعة الأدبية، لأننا لا نتوقف أبدا عن ظلم الروايات عموما، بتصنيفاتنا البليدة، فنجعل منها ذلك الموسيقِي الذي يُمتعنا بأنغامه، ويريحنا من هموم الحياة، غير مبالين بكلمات الموسيقِي، ولا مستشِفين رسائله المبطنة تارة والصريحة الصارخة تارات أخرى. أوليس العجوز هو الحاكم؟ ، أوليس المتملقون والفاسدون من رؤساء العمل واللصوص الصغار هم من يقتات على بقايا ما تخلفه زبالة النخبة الحاكمة بكل تجلياتها، ومن تكون النقابة غير مجموعة من الغيورين الذي يسعون لصناعة وعي مجتمعي غير قابل للتزييف أبدًا، ومفيد، من يكون مفيد وسط هذه المعمعة إلا مناضل هزمته نرجسيته وتمادى في إرضائها لصنع مجده وحيدا، ومحلقا كسحابة ارتفعت عاليا تريد أن تُمطر لكن هيهات! ، أنّى للفارس أن يُطيح بجيش منظم يحسب للخطوة ألف حساب؟!، ومن أين للقلم اليتيم بمداد يكتب تاريخا حافلا بالانتصارات؟.

اقرا ايضا هل يستحق دان براون جائزة نوبل للآداب؟

عاش مفيد وحيدا مع زوجته تواسيه وتُسليه، وصديق قديم مرّ بأيام النضال يزوره قي بيته وفي مصيبته يعزيه، صَنع له كرسيا خشبيا متحركا، يخفف عنه وطأة العيش بفسحة أمل، واستمرت الحياة وقد صار مفيد قادرا على بيع بعض المنتوجات أمام دار منزله، ويخلطها ببعض السلع المهربة من الميناء يتوصل بها من بعض أصدقائه، فصارت الجمارك تزوره بين وقت وآخر وتُحذره من مغبة التمادي في خرق القانون، وهم المدفوعين من تجار ومهربين كبار، ينقمون على مفيد أنه يسترزق ببعض الدريهمات يسد بها جوعته، ويشفي غليل صدره المحروق من هزيمة أودت به في المنحدر، تصدى لهم كعادته، ولما قرر ضابطهم اقتحام المنزل، لم يقبل الوحش المنكسر الفؤاد أن يخسر البقية الباقية من كرامته، فأفرغ رصاصة من مسدسه، المخبأ في جيبه، في صدر الضابط، ولم يشأ، بعد ذلك، إلا أن يفرغها في فمه منتحرًا.

هي نهاية بطل، كان حسن النية لا شك، إلا أنه لم يسلك الطريق الصحيح، فالشعب إذا أراد أن ينتصر، سينتصر، لكن بغير طريقة الوحش.

قد بهمك رسائل ما قبل الإنتحار- بقلم ابراهيم لوغوس

حمل رواية نهاية رجل شجاع من هنا

نهاية رجل شجاع pdf
نهاية رجل شجاع pdf

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. أول من قرأت له قصص البحر وكانت اليازرلي وكنت طفلا
    آه يا حنا لقد كنت هناك معك في طفولتي والثلج يأتي النافذه وكان ابي يحبك جدا جدا
    هل تعلم اني استمعت لصوتك المبهم على هاتفي عندما تصل بك صديقي وودعتك وأنت لا تعرفني قبل رحيلك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock