التطوير الذاتيصحة جسدية
آخر المقالات

“كورونا” يا مُزيلة الأقنعة ! بقلم “صالح امهاوش”

تعرض العالم بأسره هذا العام لاختبار حقيقي يسائل الوعي الجماعي لكل أفراده من مختلف جنسياته وانتماءاته، اختبار جاء عنوانه بارزا يحمل ستة أحرف أرعبت كل القارات والدول، ستة أحرف كانت كافية لشل أضخم اقتصاديات العالم، وأقوى الدول تطورا في العلم والطب، ناهيك عن أضعفها، “كورونا” هذا الفيروس الفتاك الذي استطاع، في ظرف قياسي، إصابة الملايين من الناس وحصد أرواح الآلاف منهم، مما جعل دقَّ ناقوس الخطر إلزاميا باتخاذ حزمة من التدابير الاحترازية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وتشغيل كل وسائل الدفاع لمواجهة فيروس مجهري بالغ الصغر.

اقرا ايضا تحليل رواية نهاية رجل شجاع- لا يوجد مُخلّص- بقلم صالح أمهاوش

لقد عرّى فيروس كورونا على واقعنا الموبوء وجعل أفكارنا تبدو مهترئة ومثيرة للضحك، بل التقزز، وسأحاول بقدر الإمكان من خلال هذا المقال أن أكشف عن مجموعة من مظاهر الاختلال في بنيتنا الفكرية ومدى ضحالتها، والتي كانت تتقيح في مناسبات سابقة، لكن مستجد الجائحة جعل تقيُّحها يبرز أكثر، كما سأحرص على التركيز على عالمنا “العربي” والإسلامي، باعتباره البيئة التي نعيش من داخلها وتتيح لنا معاينة هذه التمظهرات المنتقَدة عن قرب، فالأمر لا يعدو عن كونه نقدا ذاتيا مفروضا لا يلزم منه بالضرورة مفاضلة بين مجتمعاتنا الإسلامية ونظيرتها الغربية، فهذه الأخيرة تحمل من العيوب ما تحمل، ولعلنا نشير إلى ذلك في ثنايا هذا المقال متى اقتضى المقام ذلك، فوجب التنويه والتنبيه.

انظر ايضا أحمد دلول يكتب : هل ينذر كورونا بقرب حلول فوضى مناخية شاملة؟

إن الكوارث في مجملها، والتي تتعرض لها الدول في شتى البقاع، تفرز لنا نوعا من الناس يسارعون بلا تروٍّ في شرح وتفسير، بل تأويل أسباب نزولها، والتأويل أقوى من التفسير وأجزم، فيجعلونها غضبا إلهيا يستحق الحلول على هؤلاء وأولئك، ولم تكن كورونا بمعزل عن هذه الأحكام الجزافية التي تُلقى بكرم بالغ فتصك آذاننا في كل مرة وحين، حيث جعلوا من هذا الفيروس عقابا لدولة الصين التي آذت مسلمي الإيغور كثيرا، والإشكال العميق هنا يكمن في استهداف مشاعر الناس ودغدغتها ليسهل بعد ذلك حشو أذهانها بأي شيء، وعملية الحشو هذه تسائل وعينا الديني بالدرجة الأولى، لأنها استساغت أن يجرؤ الإنسان ابتداء على الحكم على إرادة الله عز وجل، وهو تدخل في مشيئته تعالى شئنا ذلك أم أبينا، ولا ننفي بهذا أن يُلحق الله عز وجل عقابه بقوم من الأقوام لما اقترفوه من جرم أو اعتداء، ولكن معرفة ذلك لا يتحقق إلا بوجود نص إلهي صريح(قرآن كريم) أو حديث نبوي صحيح, وهذا ما لا يتوافر عند هؤلاء المُكلَّفين بإصدار الأحكام الجاهزة، فهل أوحي إليهم أم هم يظنون؟ّ

قد يهمك الجانب الأكثر ظُلمةً لحاضرنا وماضينا-50 عاما العمر التقديري المتبقّي للأرض

ناهيك عن أن كل هذه الأحكام أو معظمها على الأقل لا يتحقق بعد ذلك، وهاهي ذي كورونا تُكذب الادعاءات وتبسط سيطرتها على كل أرجاء المعمور، فلم تترك مؤمنا ولا كافرا إلا بلغته عند عتبة بيته فارضة عليه حجرا صحيا وكمامة يضعها على وجهه حين يهُم بالخروج، فلم نعد ندري معها أهي ابتلاءٌ للمؤمنين أم عقابٌ للكافرين الجاحدين؟ّ

اطلع على معركة التيه : من المهد إلى اللحد  بقلم صالح أمهاوش

ولا أقصد بهذا سخرية ولا هزؤا، وإنما إيقاظ أذهان تشتغل بشكل غير سليم، فتترك الأهم، وهو التفكير في حلول كفيلة لمواجهة الفيروس حين وصوله، عوض الانشغال بالتصنيف والتنظير، حتى نجد أنفسنا في وسط الزوبعة حيث لن ينفع تنظير ولا تحضير، ولنا فيما فعله عمر في فترة انتشار طاعون عمواس، أن أمرَ بضرورة التزام الناس أماكنهم حتى لا تنتقل العدوى ويشيع المرض فلا يجدون له بذلك حلا ولا سبيلا، ولم يسبق إلى علمي أن عمر بن الخطاب فتح نقاشا حول غائية المرض الجديد، أهو ابتلاء أم عقاب؟، فيا ليت شعري، متى نفيق من غفلتنا وننشغل بعيوبنا عن عيوب الناس؟.

انظر ايضا في قلبي حسرةٌ أدَبيّة بقلم صالح أمهاوش

إن نظرية المؤامرة لا تكاد تفارق عقولنا، ونتخذها مِعولا نهدم كل ما يواجهنا يمنة ويسرة، ويمكننا أن نُقسم المؤامرة إلى مؤامرة محلية وأخرى عالمية، فالمؤامرة المحلية هي التي ظهرت جليا في تعامل جماعة من المواطنين مع إجراءات الحجر الصحي، فلم يشأ الزاحد منهم أبدا أن يصدق أن الحجر الصحي المفروض من المؤسسات المسؤولة على تنظيم الشأن العام هو لمصلحتنا ولحمايتنا من العدوى، ولم يكد أبدا يسيغه، معتبرا أنها مؤامرة وخديعة كبرى تنطوي على سر سينكشف في الصبح القريب، ولم يزل هذا الصبح لم يظهر بعد، وأن هذا الفيروس رجم بالغيب وضرب من الوهم الساذج، وحتى البعض ممن صدق بوجود الفيروس حمل إجراءات الحجر على كونها تقررت لحماية الأغنياء فقط دون الفقراء، وسارع آخرون إلى تنظيم تظاهرات ضد هذا الفيروس اللعين، وقد عرفت المجتمعات الغربية احتجاجات من هذا النوع بدعوى أن الحجر ما هو إلا تقييد للحريات وانتهاك للحقوق التي سالت من أجل تحصينها الدماء، وهنا تعرّت بعضٌ مِن شعارات الوعي الزائفة التي لم تصمد أمام الجائحة وسقطت صريعة أما اختبارها القاسي، وقد رُفع شعار “المسيح هو لقاحي” في بعض التظاهرات الغربية، رافضين أي سعي لإنتاج لقاح مضاد للفيروس، كما رُفعت عندنا شعارات “الله أكبر” في وجه كورونا، وحقيق بنا ألا نُعمم هذه التمظهرات لكنها في الوقت نفسه تُنذر بخلل ينخر وعينا ويحاكمه أمام فصول التاريخ الحافلة بالمفاجآت.

قد يهمك هل فارقْتَ الحياةَ يومًا؟ نصّ بقلم سُها حسن ابراهيم

إننا نعترف ولا شك، ونقر تمام الإقرار بأن دولنا متأخرة ومتخلفة عن الركب الحضاري والعلمي، لا تستطيع أن تكون من السباقين إلى إنتاج لقاح مضاد لهذا الفيروس لأسباب كثيرة لا يتسع المقام إلى التفصيل فيها، ولكني مع ذلك أستغرب هجمة شرسة على علماء الدين وفقهائه، محملة بأنتن عبارات القدح والتحقير، والتي تملأ مواقع التواصل الاجتماعي، معتبرينهم سبب التخلف الذي نعيشه، كأن من ينتقدهم يعكف على المختبرات في البحث والسهر مع نظرائهم من علماء البيولوجيا، وكأن الدول الغربية لا تملك قساوسة ولا رهبانا عاكفون بالكنائس يتعبدون فيها، وكأن عالم الدين مُلزم بدراسة الطب والبيولوجيا، فلعمري إن ما نراه يُعد ظاهرة مَرضية طافحة بالحقد والجهل، مغلفة بالتنوير والتحرر، تُظهر الحساسية تجاه كل ما هو ديني، فتهزأ بالدعاء وتسخر من الصلاة، مستغلين فرصة الجائحة، وهي فرصة من فرص الزمان التي لا تعوض، لاستعراض خيباتهم وإطلاق العنان لألسنتهم التي تعودت على تمجيد العلم في مقابل هدم الدين والحط منه، فلا هم ممن يتضرع بالدعاء ولا هم ممن يعكف على المختبرات، وفي النهاية نجد أنفسنا أمام ظاهرتين تستحقان الدراسة والبحث، كلاهما تزعمان امتلاكها للنور الذي يضيء طريق الآخرين، واحدة تُعنى بشتم الظلام الذي يطِل من بعيد وأخرى تهتم بلعن الظلام الذي يدور من حولها، ولعل المشكل يكمن في الأعين التي ترى لا فيما يكمن خارجا عنها.

اقرأ الكوليرا في ميلانو بقلم محمد الأمين صحراوي

إن كورونا فيروس سيزول بإذن الله، لكنه يبقى درسا بليغا لمن وعى أو ألقى السمع وهو شهيد، درس يسائل طريقتنا في التفكير ويحاكم سلوكاتنا التي لن تتغير إذا ما ظلت معتصمة بالمنحدر لا تبغي الخروج منه ولا حتى التزحزح عنه قيد أنملة.

مواضيع ذات صلة

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock